إنتخاب رئيس لإقليم كردستان العراق: الدلالات والنتائج المحتملة

إنتخاب رئيس لإقليم كردستان العراق: الدلالات والنتائج المحتملة


المشاهدات : 123

د. سعد ناجي جواد قبل أيام احتفل أقليم كردستان العراق بإنتخاب رئيسا جديدا له، السيد نيجرفان البرزاني، خلفا للرئيس المستقيل السيد مسعود البرزاني، الذي ترك منصبه بعد أن عجز عن الحصول على تمديد جديد أكثر من المدة القانونية المنصوص عليها في دستور الأقليم، و التمديدات الأستثنائية التي منحت له من قبل البرلمان الكردي، والاهم بعد فشل مغامرة الاستفتاء. و بغض النظر عن حقيقة دستورية ما حصل، حيث لا يوجد في الدستور العراقي ما يشير الى منصب رئيس للأقليم، و أن هذا المنصب قد إبتدع بتفاهم ما بين المرحوم جلال الطالباني و السيد مسعود، على أن يكون الأول رئيسا لجمهورية العراق و الثاني رئيسا للأقليم، وحقيقة أن هناك خلافا بين الأحزاب السياسية الكردية حو ل طريقة تقاسم السلطة في الأقليم، حيث ترى الأحزاب المعارضة لهيمنة الحزب الديمقراطي الكردستاني ضرورة أن يخرج هذا المنصب من يد العائلة البرزانية، إلا أن الأمر قد قُبِلَ من غالبية هذه الأحزاب التي شاركت بالنتيجة في إحتفالية التنصيب. الأمر الآخر الملفت للنظر أن الحكومة الفدرالية، ممثلة برئيس الجمهورية و رئيس مجلس النواب شاركت بهذه الأحتقالية ، مع غياب أثار علامات إستفهام كثيرة، لرئيس الوزراء. كل هذه الأمور، وما تبعها من إختيار السيد مسرور البرزاني نجل الرئيس السابق والمسؤول الأول عن الأجهزة الأمنية في الأقليم، ربما تحتاج الى تحليل و إستقراء مبكر لنتائجها لما لها من تاثير على الأقليم أولا وعلى العراق عموما. و ربما أيضا لن يرض البعض عن هذا التحليل ولكنه يبقى وجهة نظر يجب أن تقال و أتمنى أن يتقبلها هذا البعض بصدر رحب. والحديث هنا سيركز أولا على سلطة الأقليم و العلاقات الداخلية فيه، ثم على موقف السلطة المركزية. إبتداءا، وفيما يخص الأمر الأول، يمكن القول ان السيد نيجرفان، حفيد المرحوم الملا مصطفى وأبن المرحوم إدريس و صهر السيد مسعود، يختلف في مواقفه عن بقية أفراد العائلة، فهو مثلا لم يكن من المندفعين كثيرا في تأييد عملية الأستفتاء. وإن لم يعلن ذلك جهارا فذلك لسببين الأول إحترامه لعمه والثاني خشية أن يُتهم من الجمهور الكردي المؤيد للفكرة بأنه يقف بوجه هدف قومي كبير و منشود. ثانيا هناك من يقول أن السيد نيجرفان يعتقد أنه هو الوريث الشرعي لقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان جده رئيسا له وأن الجد أوصى بأن يكون إدريس، والد نيجرفان رئيسا للحزب من بعده، ومن بعد وفاة والده، وبما أن المسالة أصبحت وراثية، يكون هو الأحق برئاسة الحزب. من ناحية أخرى فأن الخلاف داخل البيت البرزاني الآن لا يكمن في هذه المسالة فقط، وإنما في الأختلاف الكبير بين وجهتي نظر رئيس الأقليم الجديد ورئيس الوزراء المكلف الجديد أيضا السيد مسرور البرزاني. فألأول يعتقد، وزاد أعتقاده أكثر بعد فشل تجربة ألأستفتاء، بأن فكرة إستقلال إقليم كردستان العراق، على الرغم من مشروعيتها، غير ممكنة في المستقبل المنظور على الأقل. وانه في هذه الفترة على الأقليم أن يوثق علاقته بالسلطة الأتحادية، و أن لا يَظهَر بمظهر من يريد أن يبتعد عنها. بينما رئيس وزراء الأقليم الجديد يعتقد أن الوضع الأقليمي و الدولي لم يرفض الفكرة تماما، وأن هناك من يؤيدها بشدة، مثل إسرائيل، أضف الى ذلك أنه صرح في أكثر من مرة بأنه لا يوجد شيء إسمه (العراق أو دولة عراقية)، وأن (هذه الفكرة [دولة العراق] موجودة فقط في أذهان بعض السياسين و الدوائر الحاكمة)، ولم يصدر منه أي تصريح جديد يمثل إيمانه بوحدة الأراضي العراقية أو كون الأقليم جزءا من دولة العراق. وهذا التضارب لا بد وأن ينتج عنه خلافا في المستقبل، (خاصة و أن السيد مسرور لا يمتلك المرونة و الدهاء السياسيين الذي يتمتع بهما والده لتجاوز مثل هذه الخلافات)، داخل الاقليم أو أية خلافات قد تنشأ مع السلطة المركزية. علما بان أول بوادر هذه الخلافات مع السلطة المركزية قد ظهرت عندما صرح رئيس الوزراء العراقي، ولاول مرة وبصيغة الإتهام، بأن الأقليم لم يسلم الخزينة المركزية، او السلطة الاتحادية، النسبة المترتبة عليه من تصدير النفط من مناطق الأقليم. وهذا الموقف، والذي ربما بسببه رفض الرجل المشاركة في الأحتفالية، هو موقف جديد، بعد المواقف السابقة التي اعتبرت مؤيدة، بل و ساهمت في تقوية موقف السيد مسعود داخل الاقليم و أخرجته من حالة شبه الأعتكاف التي كان يمر بها بعد فشل الأستفتاء و ما تبعه. بحيث عاد، وبعض مؤيديه، للحديث عن الفرصة المواتية للأستقلال وأستعادة المناطق المتنازع عليها والمطالبة بدفع مبالغ أكثر للأقليم من الخزينة المركزية، على الرغم من ان السيد عبد المهدي قد أطلق صرف كل المبالغ المعلقة وتلك التي اعتبرت متاخرة و كذلك الرواتب، وحتى بدون التحقق من صحة الكشوفات المقدمة بهذا الشأن والتي يوجد عليها ملاحظات كثيرة و جدية. من ناحية أخرى فأن إصرار السيد مسعود على حصر قيادة الأقليم بيد العائلة البرزانية أمر يشكل تهديدا جديا للعلاقات مع الأحزاب الكردية التي إعتادت على اسلوب (التمثيل المتوازن) للاطراف السياسية، و هو الأسلوب الذي أعتُمِدَ منذ أبتعدت المحافظات الكردية عن السلطة المركزية في تسعينيات القرن الماضي. والكل يتذكر فكرة (50%-50% او الففتي ففتي) التي جرى السير عليها آنذاك. كما أن الفكرة إستمرت حتى بعد الأحتلال عندما أصبح السيد مسعود رئيسا للأقليم و تم تعيين السيد برهم صالح رئيسا للوزراء و ممثل عن كوران (التغيير) رئيسا للأقليم، مع إرضاء الأحزاب الأصغر بمناصب وزارية. بينما الآن جرى الأستحواذ على المناصب الرئيسية ومن نفس العائلة، وهو أمر، إن قبلت به الأحزاب الأخرى مكرهة إلا أن هذا السكوت قد لايستمر لفترة طويلة. وأن إرضاء الأتحاد بدعم مرشحهم لمنصب محافظ كركوك، لا يمثل حلا مرضيا لمؤيدي الحزب. طبعا هناك من سيرد و يقول أن الحال فرضه واقع ونتائج إنتخابية. ربما تكون الأعتراضات الكبيرة التي قيلت عن التلاعب بنتائج الأنتخابات خير رد على ذلك. علما بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني في علاقته مع السلطة المركزية يصر على الحصول المناصب وفق ما يعتقده هو حق مكتسب بغض النظر عن الأستحقاق الأنتخابي. كما أن السيد البرزاني أصر بعد آخر إنتخابات أن يكون مرشحه (السيد فؤاد حسين) رئيسا للجمهورية، وغضب غضبا شديدا عندما تم إختيار السيد برهم صالح، ورفض أن يتعامل مع الأخير كرئيس جديد، والمرة الوحيدة التي زار فيها السيد مسعود بغداد كانت عندما كان السيد برهم خارج العراق. وهذا لا يمثل قبولا بالنتائج الأنتخابية وهذا الموضوع ينقلنا الى الأمر الثاني وهو العلاقة مع السلطة المركزية، و الدور الذي يمكن أن تلعبه الأخيرة في التقريب ، لا أقول إعادة اللُحمة الوطنية لأن هذا أمر يحتاج الى سنين والى جهد إستثنائي وأشخاص مؤمنين حقا بهذا النهج ومخلصين له، بين الأطراف التي تباعدت كثيرا. وأول طرف يمكن أن يلعب ذلك هو رئيس الجمهورية. لقد إعتدت من موقعي البسيط وفي كل مرة يتم فيها إنتخاب رئيس جديد للجمهورية من الأخوة الأكراد، أن اتمنى عليه أن ينزع الثوب القومي والفئوي و الضيق وأن يتصرف كرئيس لجمهورية العراق و كعراقي. وللأسف فأن نداءاتي المتواضعة كانت تذهب سدى. ومع ذلك ساحاول تكرير ذلك على الرئيس الحالي، ولو بصورة متاخرة. وسبب تأخري هو الملاحظات الكثيرة التي سجلت وقيلت عن السيد برهم قبل و بعد عودته للعراق، وكيف أنه كان متطرفا في كرهه للعراق، ومع ذلك رضي أن يكون له دورا قياديا فيه. وهذا بالمناسبة يشمل قياديين أكراد كثر. لا بل أن بعضهم ترجم هذا الكره الى فساد كبير، بدعوى أن ما يستحوذ عليه بصورة غير مشروعة هو من أموال دولة (عدوة) لا يهمه أمرها هي العراق. أقول على الرغم من ذلك إلا أن السيد برهم أظهر خلال تسنمه منصبه الجديد قدرة على التحرك الفاعل وإتخاذ موقف مختلف يتمنى العراقيون أن يسخره لخدمة العراق. (وموقفه في مؤتمر القمة العربي يمكن أن يكون دليلا على ذلك. فعلى الرغم من الملاحظات على النتائج التي توصل لها المؤتمر ومدى إستجابتها للوضع العربي الحالي، إلا أنه رفض الطلب الذي اُرسل له كي ينسحب، ولا أحد يدري من أرسل له هذا الأمر، واستمر بالحضور والقى كلمته التي مثلت وجهة نظره حول ما يجري). كما أكد لي شخص أثق به و برأيه و يلتقي بالسيد برهم بإستمرار، أن الأخير غيّر من أفكاره و قناعاته كثيرا وأنه أصبح مؤمنا بالعراق الموحد، وأعترف بخطأ النهج الذي سارت عليه القيادات الكردية في السابق وكيف أنهم كانوا مخدوعين بما يجري حولهم. وأعتقد أن كلمته في إحتفالية التنصيب يمكن أن تدلل على ذلك. كما أنه، (و على الرغم من سفراته الخارجية الكثيرة و التي لا يمكن أن ينتج عنها الكثير بسبب صلاحياته الدستورية المحدودة جدا)، إستطاع أن يكون له تأييدا بين العراقيين، و خاصة، كما أخبرني صديق آخر، بين أبناء المحافظات الجنوبية التي عاش فيها مع عائلته المبعدة هناك أيام طفولته وصباه و تعلم في مدارسها، وأتقن اللغة العربية بطريقة تفوق بأميال مستوى اللغة البائسة التي يتكلم بها بعض سياسي العراق العرب الآن، و كون وعائلته علاقات أجتماعية قوية مع الوسط الذي عاشوا فيه، (ألسماوة) والذي أحتضنهم و أعتز بهم. وأن هذه العوائل العربية وغيرها من مناطق أخرى، يتواصلون معه و يجدون فيه من يتفهم معاناتهم أكثر من السياسين الآخرين من مكونهم. فهل سيستطيع السيد برهم فعل ذلك و ألاستمرار به، بكلمة أخرى هل سيستطيع التركيز على معاناة العراقيين ويهتم بأمر الوحدة الوطنية، أم أن مواقفه الحالية هي من متطلبات المنصب الجديد، وأنها ستنتهي عند إنقضاء فترته الدستورية. الأهم من كل ذلك هل سيستطيع أن يقنع قيادة الأقليم بما توصل اليه هو من قناعات جديدة. أن السيد برهم في مسعاه الجديد، وليسمح لي بتكرار عبارة إن كان جادا، يحتاج الى من يدعمه. و اول من يجب أن يفعل ذلك هو حزب الأتحاد الوطني الكردستاني الذي يمثله السيد برهم نوعا ما، والذي رغم إنشقاقه عنه و تشكيله لحزب جديد صغير حقق مكاسب بسيطة جدا في الأنتخابات الأخيرة، إلا أن ترشيحه لمنصب الرئيس جاء من الأتحاد، وهذا الحزب اليوم يعاني من تشرذم وضعف كبيرين وبحاجة الى قيادة فاعلة، خاصة بعد أن إبتعد عنه كوسرت رسول و التحق بالبرزاني الذي عينه نائبا له عندما تنحى عن رئاسة الأقليم (وبصورة غير دستورية أيضا). إن إعادة السيد برهم يمكن أن تعطي ثقلا أكبر للحزب الذي عجز عن الوقوف بوجه إختيارات الحزب الديمقراطي الكردستاني الأخيرة، و بالمقابل دعما أكبر لموقع وتحركات السيد برهم كرئيس للجمهورية، خاصة إذا كانت إيجابية. فهل ستتجاوز قيادة الأتحاد الأمور الشخصية التي حددت العلاقة مع السيد برهم في السنين الآخيرة أم أنها ستستمر في تفس النهج؟ أخيرا أن رئيس مجلس الوزراء و رئيس مجلس النواب العراقيين مطالبان بأن يطورا العلاقة مع الأقليم وفق مواد الدستور، و على الرغم من كل الأعتراضات الكبيرة عليه. وأن لا يستمر أسلوب التعامل بأفضلية مع جهة على حساب جهات أخرى، وأن يدرك الجميع بأنه فقط في عراق موحد قوي خالي من الفساد و الأرهاب يمكن أن يزدهر الجميع، وعكس ذلك لا أمل للعراق و لا للعراقيين بكل مكوناتهم من الأطمئنان على مستقبل أبنائهم. كاتب واكاديمي عراقي