لماذا “تهدم” السلطات الأردنيّة كوخاً لشابٍّ عاطلٍ يترزّق ببيع الكنافة؟.. وكيف يُمكن للأوطان أن تُبنى بالعواطف لا الاستفزاز؟

لماذا “تهدم” السلطات الأردنيّة كوخاً لشابٍّ عاطلٍ يترزّق ببيع الكنافة؟.. وكيف يُمكن للأوطان أن تُبنى بالعواطف لا الاستفزاز؟


المشاهدات : 78

خالد الجيوسي لعلّها من أكثر الجُمل رونقاً، وجمالاً، تلك العبارة التي يتشدّق بها المسؤولون في بلادنا، حين يتربّعوا على مناصبهم ذهبيّة الكراسي، والقول بأنّ الشباب هُم عماد المُستقبل، بل وأكثر من ذلك حين تنهال وعودهم، والوعد بأنّ هؤلاء أي الشباب سيتم تمكينهم، والأهم من خلال المشاريع الرياديّة، ضمن ما يقولون أنها سيادة القانون. هذه السطور القليلة التي بدأنا بها مقالنا الأسبوعي هذا، ليست في معرض دولةٍ ما، بل هي مُقدّمة تليق بحال جميع الدول العربيّة، ودون استثناء، ملكيّة، جمهوريّة، وحتى تلك التي تسود فيها الفوضى، فالجميع يقول بأنّ الشباب هُم عماد المُستقبل، وهي كذبة باتت تنطبق عليها عبارة من أغنيةٍ شهيرةٍ تقول “كذبك حلو”، ونحن لا نتحدّث فقط عن دول، بل قد يشمل حديثنا أيّ مُؤسّسة عاملة على أرض الواقع، فكم من شبابٍ خُدعوا بحلو وعسل الكلام، وتبيّن أنّ الواقع مُخالف لتلك الوعود للأسف! في الأردن، وعلى سبيل المثال الحي، والواقع، الذي يتناسب مع مُقدّمتنا، شاب أردني من هؤلاء ذاتهم الذين وعدوا بالتّمكين والدعم من قبل حكومتهم، قامت كوادر أمانة عمان بهدم مكان رزقه، وهو كوخ صغير، يترزّق منه، ويُقدّم فيه كنافة على الحطب في منطقة عبدون الراقية، والحجّة تقول إنّه مُخالف، فما كان من الأردنيين إلا أن أبدوا تعاطفاً كبيراً مع الشاب. في التبرير الرسمي، قالت أمانة عمّان في تغريدةٍ لها على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنه يتم التعامل مع المخالفات وفقاً للأنظمة والقوانين، وأنّ دعم الشباب لا يكون بمُخالفة القوانين، وإنّما دعمهم بمشاريع الريادة، وتضع الأمانة مثالاً على تلك المشاريع، وهي مركبات الطعام، وتعتبر أن تطبيق عكس ذلك، سيُحوّل المدينة أو ستُعج بالفوضى على حد كلامها، بدافع تأمين فرص العمل. أمين العاصمة الأردنيّة عمّان، يوسف الشواربة، كتب على تويتر، وكانت الجملة الأكثر لفتاً في تغريدته، حين قال ليست بالعواطف تُبنى الأوطان…، أستغرب الدعوة لمُخالفة القانون. الغضب والاستياء، والتعاطف، الذي احتوته وسائل التواصل الاجتماعي الأردنيّة ردّاً على واقعة هدم رزق الشاب “الكوخ”، كافية ربّما لرصد، وحتى استيعاب حالة الإحباط بين أوساط الشباب، الذين يُعاني غالبيتهم من البطالة، أو يعملون في أعمال برواتب مُتدنّية، أو أجبرتهم الظّروف على العمل بغير تخصّصاتهم، وأخيراً كحالة الشاب المذكور الذي دفعته الظروف “لمُخالفة القانون”، وفتح كوخ الكنافة للترزّق، أملاً في مُستقبلٍ أفضل، وخسارته له في مشهد مُحبط، دفع الجميع دون استثناء لانتقاد الحكومة وكوادر أمانتها على فِعلتها المُؤجّجة للمشاعر، ومشاعر الشباب تحديداً بما فيهم من طاقة، ودماء، تتطلّب مُراعاةً، وتفهّماً. نحن لسنا مع مُخالفة القانون بالتأكيد، ولسنا مع اللجوء لحُلول الفوضى في حل مشاكل البطالة، لكن الحُلول التي تطرحها الحكومة لدعم المشاريع الرياديّة، تبدو تعجيزيّة، ونعم العواطف لا تبني الأوطان، لكن الشروط التعجيزيّة، قد تُخرجها عن طورها، فتعليق أمانة عمّان، وأمينها الشواربة على “تويتر”، لم يحظ كما رصد كاتب هذه السطور بأيٍ تعاطف، أو تفهّم، وكان الشاب صاحب الكوخ المهدوم “نجم” منصّات التواصل الأردنيّة، وعلى الرغم من مُخالفته الصريحة للقانون، كما تقول الأمانة. الضجّة الشعبيّة الأردنيّة، والتّعاطف اللتان رافقتا هدم الكوخ، هي من دفعت الأمانة، وأمينها إلى التعليق على الواقعة، والتوضيح، وكلنا نذكر، أنّ ثورات الربيع العربي، التي انطلقت شرارتها في تونس، كانت بمثل ذلك الموقف البسيط، فالشاب التونسي طارق الطيب محمد البوعزيزي، أضرم النار في نفسه العام 2010، أمام مقر ولاية سيدي بو زيد، احتجاجاً على مُصادرة سلطات البلديّة، لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكة لكسب رزقه، كما تعرّضه للصفع من قبل الشرطيّة التي طلبت منه الرحيل عن المكان، وبذات الحجّة أنها مُخالفة للقانون، وتُوفّي بعدها بثمانية عشر يوماً، وبات الأيقونة لثورات الدول العربيّة المُجاورة، ونحن نُعيد التذكير بتشابه الذرائع في مُصادرة الأرزاق بدولنا العربيّة، لا نطرح مُقاربات أو مُقارنات، لاختلاف الظروف، والأزمنة، والحالة ككُل. من حق أيّ دولة، والدولة الأردنيّة هُنا بحُكم المثال، أن تُنظّم المشاريع الرياديّة، وتضع لها أنظمةً وقوانين، ولكن بالنظر إلى البديل المطروح للشباب، وهي عربات الطعام التي سُمِح بها بالأردن أخيراً، تبدو الشروط صعبة التحقيق، وأهمها أن تكون تلك العربات بعيدةً على المجمّعات التجاريّة التي تضم مطاعم، كما تكون مُسوّرة، ولا تُسبّب إزعاجاً للمُجاورين، وبالنظر إلى انتشار المجمّعات التجاريّة الصغيرة، والكبيرة المليئة، وحتى المُكدّسة بالمطاعم على اختلاف أنواعها في العاصمة عمّان، يبدو حُلم امتلاك عربات الطعام للشباب المُعدم الباحث عن لُقمة العيش، صعب المنال، هذا عدا عن الصعوبات الماليّة لشراء العربة ذاتها التي تتطابق مع المواصفات والمقاييس التي تطلبها أمانة عمّان! أمام هذه الشروط الصعبّة، التي تقول أمانة عمّان الكُبرى، أنها تأتي في سياق القانون، وتنظيم المشاريع الرياديّة كعربات الطعام، اختيار حل وسط، والطلب من الشاب صاحب كوخ الكنافة المهدوم، أن يقوم بتصحيح مُخالفاته الصريحة للقانون، بدل أن تقوم بهدم حُلمه تماماً، الذي أعاده إلى طابور طويل من الشباب الأردنيين العاطلين الحالمين بمُستقبل أفضل، ولعلّ استغراب أمين عمّان دعوات المُخالفة للقانون، التي ظهرت صراحةً من حجم التعاطف مع صاحب الكوخ، تحتاج إلى مُراجعة، ونعم.. الأوطان تُبنى بالعواطف، لا الاستخفاف بعواطف ومشاعر شبابها، المُهمّشين، العاطلين، المُحبطين، وفي غير ذلك على الأوطان السّلام! كاتب وصحافي فلسطيني