ماريان خوري تستعيد جذورها وثائقيا

ماريان خوري تستعيد جذورها وثائقيا


المشاهدات : 102

على شرفة منزلها الكوبيّ، تبوح سارة لوالدتها، بحميمية محمَّلة بشيء من الغضب، ببعض ما تشعر به من نتائج إرثٍ عائليّ، يتوزّع على التاريخ والثقافة والحياة. تقول، بلكنةٍ ناتجة من خليط الفرنسيّ بالعربيّ، نقيضَ ما يتباهى به متحدّرون من ثقافات عديدة، جرّاء انتماءات جغرافية واجتماعية ودينية مختلفة، للوالدين والأجداد. فالتباهي متمثِّل بقدرة انتماءات كهذه على منح المرء وعيا معرفيا، يُتيح له اكتساب إمكانيات "أخرى" للعيش والتواصل والانفتاح، رغم أنّ هذا لن يكون ثابتا ودائما وشاملا، فما تبوح به سارة يختلف، بل يتناقض معه تماما، إذْ تشعر بثقلٍ وتوهانٍ وتعبٍ، لكونها ابنة أكثر من جغرافيا واجتماع ودين، وبالتالي هي خليطُ أكثرِ من ثقافة. لن تكون صدفةً سينمائية أنْ يظهر هذا البوح في الجزء الأخير من "إحكيلي" (مصر، 2019، 95 دقيقة)، الوثائقي الجديد للمصرية ماريان خوري. فمثوله في ذاك الجزء موضوعٌ في لحظة حسّاسة، ناتجة من تراكمات كثيرة تشهدها سارة الشاذلي، أو تستمع إليها من والدتها، ماريان خوري نفسها. فالمخرجة منطلقة من حسّ ذاتيّ بحت، يدفعها إلى القيام بـ"رحلة عائلية"، كما تصف فيلمها هذا في "جينيريك" النهاية، بحثا عن أجوبة لتساؤلات مزمنة لديها، فتدفع غالبية رجال العائلة إلى التحدّث عن نسائها، مع بعض قليل من نساء العائلة، للهدف نفسه. وإذْ يبدو أنّ التساؤلات كثيرة ومعلّقة، فإنّ الأساسيّ فيها يُختَزل بواحد، يرتبط مباشرة بعلاقة ماريان بوالدتها، وإحساس ماريان بأنّ هناك غامضا يُلحّ عليها بخصوص تلك العلاقة. لكن "إحكيلي" لن يُحاصَر في نساء العائلة وحكاياتهنّ وذاكرتهنّ ومواقعهنّ وعلاقاتهنّ. هنّ حاضرات، بأجيالهنّ المختلفة، والغائبات منهنّ يحضرن في استعادة الماضي وتفاصيل منه. مع هذا، سيكون للرجال دور في الكشف والنبش والتفكيك، وسيقولون انفعالات وخبريات ومواقف، وسيعلّقون ويبوحون، وإنْ يبدو محور هذا كلّه، أو غالبية المحور هذا، مركَّز على نساء العائلة، أو على بعضهنّ، أو بالأحرى على والدة ماريان تحديدا. وإذْ يتساءل إيلي، أحد شقيقيّ ماريان، عن جدوى كلامٍ، يتناول حميميات خاصة، علنا، فإنّ ماريان مُصرّة، وإنْ بشكلٍ مبطّن، على أنْ تكون الكاميرا وسيلة توصلها إلى أمانٍ تسعى إليه. فهي ترى الفيلم تشريحا لتاريخ العائلة، ورحلة إلى (هل أقول "في"، أيضا) جذور ماريان، الراغبة في معرفة من أين يبدأ ذلك الضيق النفسي، "خصوصا ذاك الذي تعانيه سيدات العائلة". تتساءل: "ما الذي يجعلنا نعاني الصعوبات التي نواجهها مع عاطفتنا كسيدات، والمنتقل من جيل إلى جيل: من جدّتي إلى أمّي، ومن أمّي إليّ، وبالتأكيد منّي إلى ابنتي". "إحكيلي" ـ المعروض للمرة الأولى دوليا في المسابقة الرسمية للدورة الـ32 (20 نوفمبر/ تشرين الثاني ـ 1 ديسمبر/ كانون الأول 2019) لـ"مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية" ـ فيلمٌ عن والدة ماريان خوري، وعن علاقتها بسيدات العائلة. هذا تقوله ماريان في حوارٍ مع سارة: "أنا أحاول أنْ أفهم سيدات العائلة من خلالها (أمّ ماريان)". تقول سارة إنّ الفيلم "عنك وعن والدتك، وإنْ تريدين معرفة الأكثر عن جدّتك، إعملي كده". فتردّ ماريان: "أيوه. عشان أفهم الأم، أنا محتاجة أفهم الجدّة". أما المعضلة الأساسية، فكامنةٌ في أنّ ولادة ماريان تبدو كأنّها تعطيلٌ لحلم الأم بالانعتاق من حياةٍ غير مرتاحة فيها. فالأم تريد الإجهاض، وصديقة الأم ـ التي (الأم) تقترن بشقيقها ـ تحول دون ذلك. من هنا ينشأ الضيق النفسي. وبسبب هذا يتراكم الضغط الداخلي، الذي تحتاج ماريان خوري إلى التحرّر منه، فيكون "إحكيلي" نوعا من تحرّر يوصلها إلى أمانٍ. فهل تبلغ ماريان خوري أمانا كهذا؟ للسينما سحر يخترق جدرانا، ويكشف متواريا، ويُعرّي مُخبّأ. الاغتسال بالكاميرا فعلٌ ذاتيّ، يستفيد من الفني والثقافي والاجتماعي والنفسي والمعنوي والروحي، فتُصبح السينما تطهّرا. هذا لن يكون أكيدا أو كاملا، رغم أنّ ماريان خوري تقول، تعريفا بـ"إحكيلي"، إنّه "حِدادُها"، فمن خلال "الغوص في تاريخ عائلتنا، هويتنا وجذورنا الجغرافية، نقترب أكثر من المنبع". لذا، "أسمح لنفسي بالسينما، وبالحياة". "إحكيلي" ـ الفائز بـ"جائزة الجمهور/ جائزة يوسف شريف رزق الله"، في الدورة الـ41 (20 ـ 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019) لـ"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" ـ يوحي برغبة مخرجته في بلوغ أمانٍ ذاتي، فالأسئلة مُقلِقة، وانعدام الأجوبة مُقلِق أكثر. أما انكشاف أجوبة، فلن يكون نهاية قلق، فالرحلة صعبة، والثقل غير مُحتَمل، والإرث كبير، والأسئلة تتزايد، والكاميرا غير متوقّفة عن توليد حالاتٍ تحتاج، بدورها، إلى اشتغالات إضافية. هذا كلّه نتاج مُشاهدة، فالفعل الذاتيّ محصور بالمخرجة ورحلتها، التي تعود بها إلى أزمنةٍ بعيدة، قبل أن تضعها أمام مرآة نفسها، وتدخل معها إلى جوانيّةٍ تنفتح أمام عدسة الكاميرا من دون وجل أو تردّد. فالرحلة مفتوحة على الاحتمالات كلّها، وماريان خوري مُدركة هذا، واعتمادها على كاميرات صغيرة وتسجيلات قديمة جزءٌ من رغبتها في منع "تقنيات" السينما من الحؤول دون كُلّ عفوية وبوح وانفتاح وقول، بعيدا عن قواعد تفرض سلوكا ما أمام الكاميرا. هذا تقوله الأم (ماريان) للابنة (سارة)، التي تسألها عن سبب استعانتها بكاميرا صغيرة، وعن استغنائها عن مساعدين. سارة نفسها ستنتقل إلى كوبا لدراسة السينما أيضا، فوالدتها منتجة ومخرجة وناشطة سينمائية، وخال والدتها هو يوسف شاهين، وخالها غابي يعمل في الإنتاج السينمائي، وجدّها لأمّها مُنتج يتصادم مرارا مع شاهين لأسبابٍ مهنية: "السينما لشاهين مُعتَقَد. أما بالنسبة إلى أبي، صهره، فهي وسيلة لكسب العيش" (تقول خوري). لكن، لعلّ انخراط هؤلاء جميعهم في السينما لن يكون سبب اختيار سارة لدراسة المهنة نفسها، لكن الإرث يُلاحقها، والانتماءات العديدة تُثقل عليها، والثقافات التي تُحصِّلها تُصبح عاملا ضاغطا. ربما لهذا تختار كوبا، البلد الأبعد، جغرافيا على الأقل، عن بلدانٍ تُشكِّل إرثها العائليّ. ورغم هذا، تختار سارة السينما، مهنة أناسٍ هم سبب إرثها الثقافي والاجتماعي والديني الثقيل هذا. كلام كثير يُقال عن "إحكيلي"، المحصور داخل عائلة ماريان خوري، بأجيالها وناسها ومناخاتها وعلاقات أفرادها، كما بانفعالات أفرادها أنفسهم، وأهوائهم وكوابيسهم وحكاياتهم. فيلم ذاتيّ لن يخرج إلى العام، فهو يجعل الخاصّ جدا عالما سينمائيا وإنسانيا وانفعاليا وسرديا وتاريخيا. فيلم حميم لن يتمرّد على الحيّز المصنوع فيه، بل يُحوِّل الخاص إلى رواية تتشكّل من تفاصيل وسرديات ولحظات ومنعطفات ومواقف، فتُصبح شهادة وثائقية في حبّ الذات والسينما، وفي مواجهة التباسات الماضي وغليانه، وفي قراءة النفس والروح ومرويّاتهما.